الرواية كلّها شكوى واحدة، صرخة امرأة مقدسية ضاعت بين المحاكم، بينما نجا الجاني ودفع الضحية الثمن. صالحة لا تطلب الشفقة، بل الحق، وتواجه القاضي والمجتمع بلغة صادمة تكشف زيف العدالة حين تتواطأ مع العرف. ومن قضيتها يتكشف تاريخ القدس بوصفه تاريخًا مُعادًا: ظلم يتكرر من العثمانيين إلى البريطانيين، ومن الانتداب إلى نكبة 1948. في الأرشيف، كما في الحاضر، تتبدل الأسماء والسلطات وتبقى المدينة ساحة صراع على الجسد، والذاكرة، والمعنى. هكذا تقول الرواية إن القدس لا تُهزم دفعة واحدة، بل تُستنزف طويلًا، ومع ذلك تبقى، مدينة واحدة عصيّة على المحو.
بنت من القدس الجديدة-اسامة العيسى
55.00 ₪
لم تأتِ صالحة إلى المحكمة خائفة، ولا مكسورة كما يُفترض بالنساء في الحكايات القديمة. جاءت مستقيمة الظهر، بثوب مقدسي عادي، كأنها ذاهبة إلى السوق لا إلى قاعة قضاء. كانت تعرف أن ما ستقوله لا يُقال، وأن الكلمة حين تخرج لن تعود، لكن الصمت كان أثقل من الفضيحة، والسكوت صار جريمة أخرى تُضاف إلى ما سُرق منها.
في القاعة، لم تكن وحدها. كانت القدس كلها خلفها: حجارة الأزقة، رائحة الخبز المطبّب، أصوات النساء في البيوت القديمة، وسجلات المحاكم المتربة التي حفظت قصصًا تشبه قصتها منذ قرون. حين نطقت، ارتبك القاضي. لم يكن السؤال عن الجريمة بقدر ما كان عن العالم الذي أنتجها: أهذا مجتمع شرقي يخجل من جسد المرأة، أم مدينة عرفت العدالة قبل أن تُسلب؟
تتحول قضية صالحة إلى مرآة للمدينة. القدس لا تُروى هنا كأيقونة مقدسة، بل ككائن حي يُجرَح ويُرمَّم، يُحتل وتُغيَّر أسماؤه، لكن ذاكرته تأبى الطمس. من زمن العثمانيين، إلى مجيء الإنجليز، إلى تفجير فندق الملك داوود، إلى نكبة 1948، يتقدّم الزمن بينما تبقى الآلية ذاتها: قوة تُعيد ترتيب المكان، وقانون يخذل الضعفاء، ونساء يدفعن الثمن بصمت.
القاضي، المأزوم بأسئلته الأخلاقية، يهرب من بيته إلى الأرشيف، يبحث في دفاتر صفراء عن عدالة ضائعة. يقرأ قضايا قديمة، نفيًا وتعزيرًا، ويكتشف أن القدس تُعيد نفسها، وأن ما حدث لصالحة ليس استثناءً بل حلقة في سلسلة طويلة. المدينة لا تُفهم إلا من خلال ناسها، من خلال ما كُتب عنها، وما مُنع من أن يُكتب.
وفي التفاصيل الصغيرة,خبز القدس، أسماء الأحياء، ماء الورد في وادي الورد,تستعيد الرواية هوية مدينة تُقاوم المحو بالحياة اليومية. فالمعركة ليست على الأرض فقط، بل على الذاكرة، على الاسم، على الحكاية.
وفي النهاية، لا تُنقذ العدالة صالحة كما يجب، لكن صوتها يبقى. والرواية تقول إن القدس، رغم كل ما مرّ بها، ليست مدينة تُكرر نفسها، بل مدينة تُصرّ على البقاء، جميلة، موجوعة، وعنيدة… مثل بناتها.
Reviews
There are no reviews yet.






Reviews
There are no reviews yet.